قصص

بنت المحاكم

رحلتي مع المحاكم بدأت منذ خمس سنوات، عندما رفع طليقي علي دعوة لتنظيم أوقات الزيارة لأبنائي الثلاثة. لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم؛ أول مرة ندخل فيها محكمة في حياتنا أنا و أولادي. كنا خائفين جداً من القاضي، و كأننا نحن المذنبون مع أن الحق كان معي و الله سبحانه العالم بذلك.

للأسف لم أكن أعلم أن اليوم لن تكون المرة الأولى والأخيرة، بل كانت الزيارة الأولى من سلسلة من أكثر من 70 زيارة للمحكمة لأكثر من قضية بيني و بين طليقي طوال هذه السنوات. تتراوح ما بين قضايا نفقة، وحضانة، وإذن بالسفر… تعرضت إلى الإهانة بالجري بين القضاة. و لم تقتصر القضايا على الحقوق فقط، وإنما اشتملت أيضاً قضايا كيدية رفعها طليقي ضدي و ضد أولادي فقط للمكايدة و القهر. من كثرة ترددي على المحاكم لقبني والدي الحبيب “ببنت المحاكم”. كان ذلك من قبيل المزاح لكن قلبه كان يعتصر ألماً.

ففي قضية إذن السفر مثلا؛ هل يعقل أني أنا التي أصرف على أبنائي من وظيفتي و أسعى في تربيهم و أقوم على جميع شؤونهم و لا يزال إذن سفرهم بيد والدهم الذي تخلى عن جميع مسؤولياته تجاههم بالإضافة إلى رفضه رؤيتهم أو التواصل معهم؟ و عندما حضر أمام لقاضي تنكّر لفعله و ادّعى أنه سيسفرهم و يهتم بهم. للأسف صدقه القاضي و لم يعر أي اهتمام لجميع ما قلته و ما قدمته من إثباتات وأدلة على إهماله.

كنت اذا سافرت وحدي من دونهم .. أرى الأولاد الآخرين مع أهاليهم فيصيبني الحزن والأسى لعدم  وجودهم معي.

خلال هذه الفترة مررت على جميع أنواع القضاه، و دخلت جميع أنواع المحاكم (العامة و الشخصية و الجزائية) ودخلت أيضا الجهات التابعة لها، من أقسام شرطة و إصلاح ذات البين و هيئة الادعاء و التحقيق. وكل هذا لأن طليقي يعمل في المجال القانوني و له معارف كثيرة و مداخل يستطيع من خلالها أن يكيد لي فيها و أنا ليس بيدي أي حيلة.

صراحةً.. لم أقم بتوكيل أي محام في أي من قضاياي، واكتفيت فقط باستشارة محامي صديق للعائلة و هو الذي كان يرشدني. كنت أدرك أن تكاليف تعيين المحامين جداً مرتفعة و كنت أفضل أن أدخر هذه المبالغ لأصرفها على أولادي و على نفسي. يعلم الله أنه لو لم يكن لدي وظيفتي و راتبي لكنّا أنا وأبنائي الآن معدمين لعدم حصولنا على النفقة الواجبة شرعاً على أبيهم بعد الطلاق.

و الآن وبعد خمس سنوات تجربة في المحاكم و مع القضاة، نصيحتي لكل مطلقة أن لا تستسلمي أبداً! قد تأخذ قضيتك سنوات وقد تتعرضين للمواقف المحبطة و القضاة غير المنصفين، لكن تأكدي أن الله سينصر الحق في النهاية و ستحصلين على حقك أنت وأبنائك!

شكراً أبنائي

إن سئلت يوماً ما عن سبب إقدامي على طلب الطلاق – بالرغم من مرارة القرار – فستكون إجابتي “حتماً السبب هم الأبناء”. رزقني الله بولدين ولو لم أخف أن يكونوا نسختين طبق الأصل من أبيهم لما خطوت هذه الخطوة. بالتأكيد كان تحدياُ كبيرا بانتظاري وهو تحد لا يمكن التنبؤ بحجمه ولا يمكن التنبؤ بصعوبته خاصة عندما يتغير على هؤلاء الأبناء كل شيء تقريباً.

أحد أبنائي كان في عمر المراهقة والآخر كان رضيعا لم يكمل عامه الأول. التحدي الأكبر الذي واجهني هو الابن الأكبر. بالرغم من هدوئه في أغلب الأحيان إلا أنه حينما تضطرب بعض الأمور في حياتنا لا يلبث أن يوجه لي إصبع الاتهام ويقول “أنت السبب في كل مأساتنا.. أنت التي خرجت من المنزل! طبعا لم أكن أرد عليه بتاتا بل كنت أتجرع ألمي وأكتمه وأقول له ستعرف يا بني يوما ما أني كنت على صواب، ثم أمضي بعيداً أذرف الدموع بصمت. كنت أعذره ربما لأنه في سن المراهقة وهو سن يغلب على الولد فيه التمرد والرغبة في الاستقلالية و ربما كذلك الرغبة بالسلطة والتحكم. أدرك تماماً أن الطلاق ليس أمراً سهلاً على الأبناء والتعامل معهم في هذا الوضع يحتاج إلى صبر طويل وتغافل ودعاء كثير. لقد سبب الطلاق فجوة عميقة بيننا ولكنها لم تلبث أن قلت شيئا فشيئا. قررت أن أصاحب ابني وأعامله كرجل وأوكل إليه بعض المسؤوليات في المنزل وطبعا من ضمنها الاهتمام بأخيه الصغير في أوقات انشغالي أو حينما يكون في منزله الآخر. لقد أمضيت خمس سنوات وأنا أبني علاقتي بابني والآن وقد شارف على دخول الجامعة فإننا نستمتع بصحبة أحدنا الآخر ونتحدث كثيراً عن المستقبل. لقد تغير ابني كثيرا وأرى أن علاقتنا لا تقارن بعلاقة بعض الأمهات بأبنائهن حتى في حالات الاستقرار الأسري – أو هكذا يبدو.

أما ابني الصغير فلم يعي منذ البداية مصيبة الطلاق ولكن كان من الواجب علي أن أوضح له شيئا يسيرا حسب فهمه. كانت أسئلة كثيرة تراوده وكان يريدني بشدة أن أتعرف على أبيه وأسرته..  ومن أطرف ما سمعت.. “ماما تعالي أعرفك على بابا”. رأيت أن أفضل وسيلة لتقريب الماضي له هو عبر الصور. جلسنا ذات ليلة على الأرض بعد أن فتحت خزانتي ووضعت ألبومات الصور (ومن ضمنها ألبوم زواجي) جلسنا سوية يصاحبنا أخاه نتصفحها. ومنذ تلك اللحظة توقف عن الأسئلة وهدأ باله.

أؤمن بأن الأبناء الناشئين بين أبوين مطلقين هم أبناء مميزون خاصة حينما تكون أمهم امرأة واعية وحكيمة ومقدرة لاحتياجاتهم.

عيد بين بيتين

كانت ملامح نهاية علاقتنا الزوجية واضحة في الأفق، ورغم كل محاولات انعاشها إلا أننا سلمنا أخيراً أن الطلاق على صعوبته هو الحل الأنسب.. كان رمضان على الأبواب لذا قررنا أن نستمر لشهرين إضافيين حتى لانسلب أبناءنا فرحة العيد. ورغم محاولاتنا لتجنب هذا الموقف إلا أنه كان سيأتي لا محالة في رمضان والعيد الذي يليه.

في أول رمضان بعد الطلاق شعرت أن هناك شيء ينقص عائلتي، ذلك الشعور كان موجع، قررت أن أبالغ في تزيين المنزل عله يشعرنا بأننا نحتفل كما الآخرين، كنت حريصة على التجمع وقت الافطار مع ابنائي وعلى صنع الأطباق التي يحبونها، وكنت أتجنب النظر إلى مقعد أبيهم الذي أصبح فارغاً.. ثم جاء العيد وشعرت بالمعضلة التي يعاني منها أبناء الطلاق، حيث يرغبون بقضاء العيد مع كلا الوالدين ولكن في حالتنا كان لابد من تقسيم الأيام والأوقات فيما بيننا. أتذكر كيف كنت على موعد ليلة العيد مع ذكريات أعيادنا السابقة، في ذلك العيد شعرت بمرارة الطلاق أكثر من باقي الأيام، وأبقيت نفسي وابنائي في حالة من الخروج والانشغال المستمر حتى لا نشعر بفقدنا رغم أنه كان موجوداً.

الجيد في الأمر أن باقي الأعياد بعد ذلك العيد كانت أخف ألماً، بدأنا نعتاد على شكل العيد بين بيتين، وتجاوزنا الحزن والفقد الذي حدث في أول عيد بعد الطلاق عندما بدأنا نصنع أيام رمضانية وأعياد جديدة بطابع وطقوس مختلفة.  

قصتي مع مجموعات الدعم

اسمي (لجين) ، عمري 26 سنة. تزوجت في العشرين واستمر زواجي خمس سنوات. كان زواجي تقليدي وتم باختياري. السبب الرئيسي لاستحالة الحياة فيما بيننا هو الاختلاف الكبير بين شخصياتنا وقيمنا وازدياد الفجوة الكبيرة التي بيننا مع الوقت. فكان كل ما تقدمنا في الزواج كلما زادت هذه الفجوة وأدركت أن الزواج لن يستمر إن لم يتغير الوضع ويتحسن.

واجهتني تحديات أثناء زواجي وطلاقي أولها هي كيفية الخروج من القوالب التي وضعها المجتمع للمطلقة والتصنيف المبني على الظواهر والظروف الاجتماعية.

التحدي الآخر الذي واجهني هو كيف أقرر إنهاء هذا الزواج. ومما صعب الموضوع أكثر هو عدم قدرتي بطبيعة الحال على مشاركة ما أواجهه في حياتي الزوجية مع أي أحد خاصة أهلي وأقاربي وصديقاتي. وعندما أدركت استحالة استمرار هذا الزواج، شعرت بالخوف، واجهتني مخاوف أولها حكم الناس عليه هو بالذات. انتظرت تقريباً سنتين لا أشارك أحد رغبتي بالانفصال. حاولت أن أحل هذه المشاكل وحدي بطرق كثيرة مثل الحوار ومشاركة زوجي بعض الكتب والمقالات التي تتطرق للمواضيع التي تضايقني. جربت أني أكتب له، جربت أشياء كثيرة لكن لم تكن تؤدي لأي نتيجة.

عندما قررت أني أنفصل، لم أدرك حينها كم هذا القرار صعب. قرار الخروج من حياة مألوفة إلى حياة أخرى مجهولة التفاصيل. كان لدي شجاعة وخوف شديدين. قبل سنة بالضبط من القرار الفعلي، واجهت زوجي بقراري في حال لم تنصلح الأمور بيننا. واجهته بالأسباب واتفقنا على فترة زمنية نحاول فيها إدراك هذه الأمور وإصلاحها. وكنت أثناء هذه السنة أستشير مستشار زواج وأسرة وكان مطلعاً أولاً بأول على كل التطورات حتى يوم اتخذت القرار. سألته أحد الأيام: متى أقرر أنفصل؟ قال: “الوقت المناسب إنتي اللي تقرريه”. سألته: “بس كيف؟” قال: “(لجين) عيشي يومك كل يوم وكأنك بتعيشيه لمدة 20 سنة لقدام. هل تتخيلي هيا هذه الحياة اللي ترضيها لنفسك؟”. وبالفعل.. حاولت أن أعيش كل يوم وكأنه سيستمر هكذا لعشرين سنة. ولم أستطع تصور أني سأكمل حياتي الزوجية بهذه الصورة.

هذه الفترة جعلتني أتخذ القرار بكل هدوء وقناعة ووعي. وهذا أفضل طبعاً من اتخاذ القرار وأنت في وقت ثوران وغضب. ذهبت وأخبرته و قلت له: “خلاص.. أنا اكتفيت وما أقدر أكمل”. قال: “أحترم قرارك.. أنت حرة. لكن أقدر أبهدلك وأجرجرك في المحاكم، وأقدر أطالب باستعادة المهر لكني ما حأسوي كدة”.

اختصاراً للأحداث.. طلاقي تم في المحاكم وبعد تنازل عن أشياء كثيرة من ضمنها المهر.

عندما حصل الطلاق، أكملت حياتي بصورة طبيعيةز كنت رافضة تماماً أن أغضب أو أحزن أو حتى أبكي. وكان هنالك صوت بداخلي يكلمني ويقول: “(لجين) لماذا تحزنين؟ ما الذي يبكيكِ؟ ألست أنت من اتخذ القرار؟ إذن لابد أن تتمالكي نفسك وتنضجين” وكأن المشاعر تتنافى مع النضج. كبتُّ مشاعري وخزنتها لفترة طويلة. حتى التحقت بمجموعة دعم.

قصتي مع مجموعات الدعم بدأت بأني كنت أشاهد في بعض الأفلام مجموعات الدعم وكنت أقول لنفسي..  ليت عندنا مثل هذه المجموعات. بعد سنتين من الطلاق.. اطلعت على إعلان لمجموعة دعم للمطلقات، فتشجعت لأن أحضر. جميل أننا نتشارك مع من يشاركوننا نفس تجربتنا. جميل أن نعرف أننا لسنا وحدنا. أول لقاء بدأ بسؤال المرشدة.. ما كان شعورك وقت الانفصال؟ هذا السؤال فجر في داخلي أكوام من المشاعر فصارت دموعي تذرف بلا توقف، وما استطعت أن أتمالك نفسي طوال الجلسة. تكلمنا عن مراحل الحزن. وكان لدي استفهام كبير.. “ليش لازم أحزن؟ ليش لازم أغضب؟ ليش لازم أمر بهذه المراحل؟” استمر حزني إلى الجلسة التالية وعرفت أنه أحيانا نتصور أن تجاهل المشاعر قوة.. بينما القوة في أن تعيشها وتتقبلها وستمضي. كبت المشاعر يمنعنا من الاستمتاع بالحياة والحكم على الأمور بعقلانية.

من ضمن التمارين التي تأثرت بها هو تمرين كتابة رسالة اعتراف واعتذار لنفسي. أدركت “إني مش لازم أعيش دور الضحية”. احنا الاثنين (أنا و زوجي) لنا دور في حدوث الطلاق وكدة كل حالات الطلاق. وتمرين آخر أثر فيا هو كذلك كتابة رسالة اعتذار من زوجي. وآخر يوم من اللقاءات كان كأني قد وُلدت من جديد.

حقيقة.. ممتنة من كل قلبي أني شاركت في هذه التجربة. و أنصح كل شخص مر في الطلاق أن يبحث عن مجموعة دعم ويشارك فيها.

رسالة إيجابية لكل من مر في هذه التجربة:

أنت شجاعة..

أنت لك قالب خاص بك بعيداً عن حالتك الاجتماعية..

الطلاق تجربة تاريخية في حياتك. تجربة تنقلك من حالة نضج إلى حالة نضج ووعي من نوع آخر…